المقريزي

16

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

أعدائنا وأعدائكم ، احرقنا ناحية وحدنا ؛ فضحك السلطان والأمراء ، وحينئذ تقرّر الأمر على ما ذكر ، فندب لاستخراج المال منهم الأمير سيف الدين بلبان المهراني ، فاستخلص بعض ذلك في عدّة سنين ، وتطاول الحال ، فدخل كتّاب الأمراء مع مخادعيهم وتحيّلوا في إبطال ما بقي ، فبطل في أيام السعيد « 1 » بن الظاهر . وكان سبب فعل النصارى لهذا الحريق حنقهم لمّا أخذ الظاهر من الفرنج أرسوف وقيسارية وطرابلس ويافا وأنطاكية . وما زالت الباطلية خرابا ، والناس تضرب بحريقها المثل لمن يشرب الماء كثيرا فيقولون : كأنّ في باطنه حريق الباطليّة . ولما عمر الطواشي بهادر المقدّم داره بالباطليّة عمر فيها مواضع بعد سنة خمس وثمانين وسبعمائة . حارة الروم : قال ابن عبد الظاهر : واختطّت الروم حارتين : حارة الروم الآن وحارة الروم الجوّانية ، فلمّا ثقل ذلك عليهم قالوا : الجوّانية لا غير . والورّاقون إلى هذا الوقت يكتبون حارة الروم السفلى وحارة الروم العليا المعروفة اليوم بالجوّانية . وفي سابع عشر ذي الحجّة سنة تسع وتسعين وثلاثمائة أمر الخليفة الحاكم بأمر اللّه بهدم حارة الروم فهدمت ونهبت . حارة الديلم : عرفت بذلك لنزول الديلم الواصلين مع هفتكين « 2 » الشرابي حين قدم ومعه أولاد مولاه معزّ الدولة البويهي وجماعة من الدّيلم والأتراك في سنة ثمان وستّين وثلاثمائة ، فسكنوا بها فعرفت بهم . وهفتكين هذا يقال له الفتكين أبو منصور التركيّ الشرابيّ غلام معزّ الدولة أحمد بن بويه . ترقّى في الخدم حتّى غلب في بغداد على عزّ الدولة مختار بن معزّ الدولة ، وكان فيه شجاعة وثبات في الحرب . فلمّا سارت الأتراك من بغداد لحرب الديلم جرى بينهم قتال عظيم اشتهر فيه هفتكين إلّا أنّ أصحابه انهزموا عنه وصار في طائفة قليلة ، فولّى بمن معه من الأتراك وهم نحو الأربعمائة ، فسار إلى الرحبة « 3 » وأخذ منها على البرّ إلى أن قرب من حوشبة إحدى قرى الشام ، وقد وقع في قلوب العربان منه مهابة ، فخرج إليه ظالم بن مرهوب « 4 » العقيلي من بعلبك ، وبعث إلى أبي محمود إبراهيم بن جعفر أمير « 5 » دمشق من قبل الخليفة المعزّ لدين اللّه يعلمه بقدومه هفتكين من بغداد لإقامة الخطبة العباسيّة ، وخوّفه منه ، فأنفذ إليه عسكرا وسار إلى ناحية حوشبة يريد هفتكين ، وسار بشارة الخادم من قبل أبي المعالي بن حمدان عونا لهفتكين فردّ ظالم إلى بعلبك من غير حرب ، وسار بشارة بهفتكين إلى حمص ، فحمل إليه أبو المعالي وتلقّاه وأكرمه . وكان قد ثار

--> ( 1 ) في النجوم الزاهرة 7 / 223 : تسلطن عقب وفاة أبيه سنة 676 ه . ( 2 ) في الكامل لابن الأثير 7 / 62 : الفتكين التركي . ( 3 ) في معجم البلدان : الرحبة . ( 4 ) في الكامل لابن الأثير 7 / 63 : موهوب العقيلي أمير دمشق للمعزّ . ( 5 ) وفيه أيضا : ريان الخادم كان أميرها حينئذ للمعزّ .